محمد جمال الدين القاسمي

41

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وظاهر هذه الأحاديث ، أنه صلى اللّه عليه وسلم كان أمر بقتلها كلها . ثم رخص في استبقائها . إلّا الأسود فإنه مستحق القتل . وقول إمام الحرمين : ثم استقر الشرع على النهي عن قتل جميع الكلاب حيث لا ضرر فيها حتى الأسود البهيم - يحتاج إلى برهان . قال ابن عبد البر : في هذه الأحاديث إباحة اتخاذ الكلب للصيد والماشية . وكذلك للزرع . لأنها زيادة حافظ . وكراهة اتخاذها لغير ذلك . إلّا أنه يدخل في معنى الصيد وغيره مما ذكر ، اتخاذها لجلب المنافع ودفع المضارّ قياسا ، فتمحض كراهة اتخاذها لغير حاجة ، لما فيه من ترويع الناس ، وامتناع دخول الملائكة إلى البيت الذي الكلاب فيه . ثم قال : ووجه الحديث عندي ؛ أن المعاني المتعبد بها في الكلاب . من غسل الإناء سبعا ، لا يكاد يقوم بها المكلف ولا يتحفظ منها ، فربما دخل عليه باتخاذها ما ينقص أجره من ذلك . وروي أن المنصور باللّه سأل عمرو بن عبيد عن سبب هذا الحديث ؟ فلم يعرفه . فقال المنصور : لأنه ينبح الضيف ويروّع السائل . انتهى . وقال الخطابي : معنى ( قوله صلى اللّه عليه وسلم : لولا أن الكلاب أمة من الأمم . . . إلخ ) . أنه صلى اللّه عليه وسلم كره إفناء أمة من الأمم وإعدام جيل من الخلق ، لأنه ما من خلق للّه تعالى إلّا وفيه نوع من الحكمة وضرب من المصلحة . يقول : إذا كان الأمر على هذا ، ولا سبيل إلى قتلهن ، فاقتلوا أشرارهن وهي السود البهم . وأبقوا ما سواها لتنتفعوا بهنّ في الحراسة » . وقال الطيبي : قوله « أمّة من الأمم » إشارة إلى قوله تعالى . وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ [ الأنعام : 38 ] . أي : أمثالكم في كونها دالة على الصانع ومسبحة له . قال تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [ الإسراء : 44 ] . أي : يسبح بلسان القال أو الحال . حيث يدل على الصانع وعلى قدرته وحكمته وتنزيهه عمّا لا يجوز عليه ، فبالنظر إلى هذا المعنى ، لا يجوز التعرض لها بالقتل والإفناء . ولكن إذا كان لدفع مضرة - كقتل الفواسق الخمس - أو جلب منفعة - كذبح الحيوانات المأكولة - جاز ذلك . الثاني : ذهب جمهور الصحابة والتابعين والأئمة إلى أنّ الجوارح التي يحل